القاضي عبد الجبار الهمذاني
292
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وأن لا يكون فسادا ؛ فالطعن زائل بما ذكرته . وإنما يحسن منا التماس على جهة اللطف في العبادات لأنا عند ذلك أقرب إلى التماس الثواب بالطاعة والاحتراز من النار بتوقى المعصية . واعلم أننا قد بينا في باب الكلام على الثنوية « 1 » أنهم ظنوا في الألم أنه يضاد اللذة وأنه قبيح ، واللذة حسنة ، وإن خلاف ذلك لا يصح فيهما ؛ فدعاهم ذلك إلى القول بإثبات « 2 » الاثنين ظنا منهم أن الفاعل الواحد لا يجوز أن يفعل الضدّين ، ويفعل الخير والشر ، والحسن والقبيح . فإذا كانوا في اعتقاد التثنية ، أتوا من جهة الجهل بقبح الآلام وحسن ما يحسن منها . وقد بينا من قبل أن الواحد لا يمتنع - لو سلمنا مذاهبهم - أن يفعل الضدين والمختلفين والمثلين ، كما لا يمتنع أن يكون عالما بالشيء جاهلا بغيره ، ومريدا للشئ كارها لغيره ، وأنه لا يمتنع أن يفعل القبيح والحسن إذا كان ممن تجوز عليه الحاجة والجهل ؛ وأن ذلك لا يتضاد ولا يستحيل . وبينا أنا إنما نفينا عنه تعالى فعل القبيح والشر - لا لأنه يضاد سائر أفعاله - لكن لأنه عالم لنفسه ، غنى لا تجوز عليه الحاجة . وبينا من قبل تناقض مذاهبهم في أن الخير والشر لا يصح كونهما من أصل واحد . وبينا / بوجوه كثيرة أن الخير قد يكون ممن يكون الشر منه لشخصين أو لشخص واحد في الحالتين ، أو لشخص واحد في حالة واحدة على وجهين وبفعلين . وبينا من الوجوه في ذلك ما لا معنى لإعادته . وما ذكرناه الآن ينبه على أصول هذا الباب ويغنى عن مسائلهم بما أورده « 3 » شيوخنا رحمهم اللّه لأن ذلك إن ذكر طال ، واليسير مما أوردناه ينبه إلى « 4 » كثير .
--> ( 1 ) من قوله واعلم إلى آخر الفصل خلاصة عن رأى الثنوية في الألم واللذة والرد عليهم . ( 2 ) أي القول بوجود مبدأين للخير والشر . ( 3 ) في الأصل أوردوه . ( 4 ) في الأصل على .